محمد الغزالي
8
فقه السيرة ( الغزالي )
وتحوّل القران إلى تلاوة منغومة فحسب ، يستمع إليها عشّاق الطّرب ، هو الذي جعل اليهود والنصارى يذيعونه في الآفاق ، وهم واثقون أنه لن يحيي موتى . وتحوّل السيرة إلى قصص وقصائد غزل ، وصلوات مبهمة ؛ جعل الاستماع إليها كذلك ضربا من الخلل النفسي ، أو الشذوذ الناشئ - في نظري - من اضطراب الغرائز ، وفساد المجتمع . وخير من هذا كله أن يستمع طلاب الغناء إلى اللهو المجرد ، والألحان الطروب ، فإذا ابتغوا العمل الجادّ المهيب طلبوه من مصادره المصفّاة : قرانا يأمر وينهى ليفعل أمره ويترك نهيه ، وسنّة تفصّل وتوضح ليسار في هديها وينتفع من حكمتها ، وسيرة تنفح روادها بالأدب الزكيّ والقواعد الحصيفة ، والسياسة الراشدة . وذلك هو الإسلام . بدأت أكتب هذه الصحائف وأنا في المدينة المنورة ، في الجوار الطيّب الذي سعدت به حينا ، وأعانني على إتمام دراسات جيدة في السنّة المطهرة والسيرة العطرة . وللّه المنّة على ما أولى من نعمه ، ولعلّه - جلّ شأنه - يجعلني ممن يحبونه ويحبون رسوله ، ولما كنت لا أحسن القول والعمل إلا في نطاق الصراحة ، فلا بدّ أن أشير إلى أن البون بعيد بين المسلمين ورسولهم صلى اللّه عليه وسلم ، مهما أكنّوا له من حبّ ، وأدمنوا من صلوات . لقد رأيتهم يزورون الروضة مشوقين متلهّفين ، ويعودون إلى موطنهم ليجدوا من يغبطهم على حظّهم ، ويودّ لو ظفر بما نالوا . أمّا أنّ محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واجبة ؛ فهذا ما لا يماري فيه مؤمن ، وما يغيض حبه إلا من قلب منافق جحود . ولكن أن تكون هذه العاطفة مظهر الولاء له ، فهذا ما يحتاج إلى تهذيب وبيان . إن يثرب من ناحية العمران العام أقل منها يوم كانت موطنا للأوس والخزرج في الجاهلية الأولى ، وما يزرع اليوم من أرضها عشر ما كان يزرعه العرب قديما ، وجمهور السكان من رواسب المواسم المزدحمة بالحجيج